دكتور عبد العزيز الدوري
96
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
إرجاعهم إلى قراهم والسعي لعزلهم عن السكان العرب ، كما هو الحال في واسط مثلا ، لم يكن إلا رد فعل لهذا التطور . وإذا نظر العرب إلى أنفسهم كأمة فاتحة حاكمة ، تنصرف إلى الإدارة والجيش ، وتؤكد على شرف النسب وعلى شرف المآثر في الإسلام ، وتجعل المنزلة الاجتماعية لأعضائها تبعا لذلك ، فإنّ اتجاه الأشراف العرب إلى ملكية الأراضي أدّى بالتدريج إلى بداية تباين اجتماعي اقتصادي بينهم وبين عامة أفراد القبائل . ولكننا لا نستطيع التحدث عن طبقات اجتماعية بين العرب في العصر الأموي ، وكل ما نراه هو حصول بدايات مهدت لتطورات في هذا الاتجاه في العصر العباسي . أمّا غير العرب ، وخاصة الفرس ، فقد ورثوا نظاما اجتماعيا يقوم على الطبقات ، وهي طبقات يفصل بينها النسب والمهنة . وقد وقف أشراف الفرس والدهاقين إلى جانب الأمويين وتعاونوا معهم . أما أفراد الطبقات الاجتماعية من موال وذميين فإنهم وقفوا ضد الكيان القائم الذي لم يغير من وضعهم بصورة جذرية ، وساهموا في الحركات الثورية . ويبدو أنّ انتشار الإسلام أدّى إلى حدّ ما إلى تخلخل نظام الطبقات في المجتمعات القديمة . وإذا كانت أدوار الأزمات تلقي ضوءا خاصا على الأوضاع الاجتماعية ، فإنّ الدعوة العباسية تلقي ضوءا على المخطط الاجتماعي والاقتصادي في أواخر العصر الأموي . فمع أن الدعوة العباسية كانت لأسرة عربية ، ومع أنّ بعض قادتها البارزين كانوا من العرب ، إلا أنّ جمهور مؤيديها كانوا من الموالي والأعاجم عامة . أمّا القبائل العربية فقد استند موقفها إلى الصراع على النفوذ السياسي والسلطة لا على أساس اجتماعي . فالمضرية أيدوا السلطة الأموية في خراسان في أواخر أيامها لأنّ وجهتها قيسية ، بينما وقف اليمانية من الدعوة موقف عطف أدبي إثر نكبة آل المهلب وآل خالد القسري إذ رأوا في ذلك ضربة لنفوذهم ، ومع ذلك فإنهم لم يدخلوا الدعوة بشكل يذكر . وربيعة « الساخطة على ربها منذ بعث نبيه من مضر » كانت خارجية وتابعة للواء الخوارج . وبصورة عامة يمكن القول إنّ العرب كمجموع في خراسان والكوفة لم يسندوا الدعوة العباسية بدرجة تذكر . وحين نفحص كتل الموالي والأعاجم الذين أيدوا الدعوة نجد أنّ عامة الأتباع من الفلاحين وأرباب الحرف وبعض التجار ، وهم على الأكثر من الهاشمية ( الغلاة الذين تحدروا من الكيسانية ) ، ومن الخرمية ، وهذه في الأصل استمرار للحركات الاجتماعية الإيرانية التي ترجع إلى ما قبل الإسلام ، وهي تمثل الثورة الاجتماعية على الأوضاع في إيران مكتسية بثوب إسلامي . ووقف الدهاقنة جانبا ولم ينضموا إلى الحركة